التحايل القانوني لإفلات الشركات الممنهج من المسؤولية الجنائية

تعتبر المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري من أبرز التحولات في الفكر الجنائي المعاصر، حيث تجاوزت الأنظمة الحديثة القاعدة التقليدية التي كانت تقصر العقاب على الشخص الطبيعي. فقد أقرّت هذه الأنظمة بإمكانية مساءلة الكيانات القانونية عن الجرائم التي تُرتكب باسمها أو لحسابها. ورغم أهمية هذا التطور التشريعي، فإنه لا يزال يعاني من ثغرات عملية، أبرزها إفلات الشخص الاعتباري من العقوبة الجنائية عند فقدانه للشخصية القانونية نتيجة إعادة تنظيم هيكليه، سواء عبر الاندماج أو الاستحواذ أو الانقسام أو التحويل أو إعادة الهيكلة. وتبرز الإشكالية في أن الشركة التي ترتكب الجريمة قد تختفي قانوناً قبل أو أثناء سير الدعوى الجنائية، أو قبل تنفيذ العقوبة؛ فتنتقل إلى كيان جديد، أو تندمج في كيان آخر، مما يثير تساؤلاً جوهرياً حول مصير المسؤولية الجنائية: هل تنقضي بزوال الشخصية القانونية؟ أم تمتد إلى الخلف القانوني؟ وكيف يمكن تنفيذ العقوبات الجنائية – خاصة الغرامات، أو العقوبات التبعية كالإيقاف أو الحل، أو الحرمان من دخول في الممارسات العامة– إذا فقدت الشركة المحكوم عليها وجودها القانوني؟ وبالنظر إلى الأنظمة الجزائية بالمملكة العربية السعودية كنظام مكافحة الرشوة أو نظام مكافحة غسل الأموال، يتبين خلوها من نص صريح يعالج انتقال المسؤولية الجنائية في حال فقدان الشركة شخصيتها القانونية بعد ارتكاب الجريمة، أو بعد صدور الحكم عليها.كما أن المادة التاسعة والعشرون بعد المائتين من نظام الشركات السعودي، رغم ما تقرره من انتقال جميع الحقوق والالتزامات والأصول إلى الشركة الدامجة أو الناشئة عن الاندماج، فإن نطاقها يبقى محصوراً في الالتزامات المدنية والتجارية فقط، ولا يمتد إلى نطاق المسؤولية الجنائية التي تتطلب نصاً صريحاً يقرر بقاء العقوبة، أو انتقالها؛ باعتبار أن مبدأ الشرعية الجنائية لا يسمح بالقياس، أو التوسع في مجال التجريم والعقاب. ومن ثم؛ فإن غياب التنظيم التشريعي في هذا المجال يفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ”الإفلات الممنهج من المسؤولية الجنائية”، إذ قد تلجأ بعض الكيانات إلى إعادة الهيكلة كوسيلة للتهرب من آثار الحكم الجنائي أو لإفراغ العقوبة من مضمونها، بما يهدر الردع العام ويقوض الثقة في فاعلية العدالة الجنائية الاقتصادية. وفي المقابل، تكشف التطبيقات المقارنة عن اتجاه واضح في التشريعات الأوروبية يعالج هذا الفراغ التشريعي، من خلال تقرير مبدأ استمرار المسؤولية الجنائية رغم التحولات الهيكلية للشخص الاعتباري. ففي إيطاليا، جاء المرسوم التشريعي رقم 231 لسنة 2001 ليضع تنظيماً دقيقاً لمسؤولية الكيانات القانونية، حيث نصت المادة 29 صراحة على أن الكيان الناتج عن الاندماج يكون مسؤولاً عن الجرائم التي كانت الكيانات المندمجة مسؤولة عنها. كما أكدت المادة 30 أن الانقسام لا يؤدي إلى انقضاء المسؤولية الجنائية؛ بل تظل قائمة، مع تحميل الكيانات المستفيدة مسؤولية تضامنية عن الغرامات في حدود الأصول المنقولة، بل وتمتد العقوبات المقيدة للنشاط إلى الكيان الذي انتقل إليه فرع النشاط الذي اُرتكبت فيه الجريمة. وهو تنظيم يعكس فلسفة واضحة مؤداها أن الجريمة لا يمكن محو آثارها بمجرد تغيير الشكل القانوني للشخص الاعتباري. وفي إسبانيا، جاءت المادة 130/2 من قانون العقوبات لتقرر مبدأ أكثر وضوحاً، إذ نصت على أن التحويل، أو الدمج، أو الاستحواذ، أو التقسيم لا يُسقط المسؤولية الجنائية، بل تنتقل إلى الكيان الناتج أو الكيانات المستفيدة، مع منح المحكمة سلطة تخفيف العقوبة بحسب نسبة مسؤولية الكيان الأصلي. بل إن المشرع الإسباني ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الحل الوهمي للشركات، أو الظاهري لا ينهي المسؤولية الجنائية طالما استمر النشاط الاقتصادي، وحافظ الكيان على هويته الفعلية، وهو ما يشكل أداة فعالة لمواجهة التحايل المؤسسي. وفي البرتغال، أكد قانون العقوبات في المادة 11/8 الاتجاه ذاته، حين قررت أن الاندماج، أو الانقسام لا يؤدي إلى انقضاء المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري. ولا يقف الاتجاه المقارن عند هذه النماذج، إذ إن القضاء الفرنسي بدوره يتبنى مبدأ استمرارية المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري؛ حيث استقر على أن إعادة الهيكلة لا تمنع مساءلة الكيان الخلف متى ثبت استمرار النشاط الاقتصادي ووحدة الغرض، وهو ما يظهر بوضوح في اجتهادات محكمة النقض الفرنسية بشأن انتقال الالتزامات الجنائية في حالات الاندماج.ينظر: (Cour de cassation, chambre criminelle, 25 novembre 2020, n° 18-86.955)كما أن توجيهات الاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة غسل الأموال، والجرائم الاقتصادية تؤكد ضرورة منع الشركات من استخدام التحولات القانونية كوسيلة للإفلات من العقاب، وهو ما انعكس في اشتراط وجود آليات فعالة لمساءلة الكيانات الخلف عن الجرائم المالية.وانطلاقاً من ذلك، وفي ظل التطوير التشريعي الذي تشهده المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين – حفظهما الله – قد يكون من المناسب أن تحظى هذه الإشكالية الواقعية بمزيد من الاهتمام ضمن التعديلات التشريعية المقبلة لنظام الشركات السعودي، أو نظام العقوبات الجنائية إذا تبنى مبدأ المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري -بحسب الأحوال- وذلك بالنص صراحة على أن الاستحواذ ، أو الاندماج، أو الانقسام، أو التحويل، أو إعادة الهيكلة لا يترتب عليه انقضاء المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري، وأن الكيان الناشئ أو المستفيد يعد خلفاً جنائياً للشركة مرتكبة الجريمة، بما يسمح باستمرار الدعوى الجنائية، وتنفيذ العقوبة المحكوم بها، مع مراعاة تنظيم حدود المسؤولية في حالات الانقسام حمايةً للائتمان التجاري ولحقوق الغير حسن النية.فالنص على هذا المبدأ لا يمثل فقط استجابة لحاجة عملية ملحة، بل يعد ضرورة لضمان فعالية السياسة الجنائية في مواجهة جرائم الشركات، وتحقيق الردع العام، ومنع التحايل على العدالة عبر الأدوات القانونية لإعادة التنظيم المؤسسي.وبذلك، فإن معالجة هذه الثغرة التشريعية يضمن ألا تتحول إعادة الهيكلة من وسيلة مشروعة لتطوير النشاط الاقتصادي إلى أداة للتهرب من المسؤولية الجنائية، ويحقق التوازن المطلوب بين حرية الاستثمار من جهة، وحماية النظام العام الاقتصادي من جهة أخرى.

د. فواز بن علي آل عيفان

المقال على صحيفة مال

شارك المقال:

منشورات / أخبار و فعاليات أخرى

الورشة الخامسة مراجعة توظيف الذكاء الاصطناعي في المهام اليومية

جانب من فعاليات *الورشة الخامسة* ضمن برنامج تأهيل الموظفين في توظيف الذكاء الاصطناعي، والتي أُقيمت بعنوان: «مراجعة توظيف الذكاء الاصطناعي في المهام اليومية» وتأتي هذه الورشة امتدادًا لرحلتنا الداخلية في…

التحايل القانوني لإفلات الشركات الممنهج من المسؤولية الجنائية

تعتبر المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري من أبرز التحولات في الفكر الجنائي المعاصر، حيث تجاوزت الأنظمة الحديثة القاعدة التقليدية التي كانت تقصر العقاب على الشخص الطبيعي. فقد أقرّت هذه الأنظمة بإمكانية…

الورشة الرابعة الهلوسة الرقمية في الذكاء الاصطناعي

جانب من الورشة الرابعة من برنامج تأهيل الموظفين في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن إطار برامجنا الداخلية للتطوير المهني، والتي بعنوان “الهلوسة الرقمية في الذكاء الاصطناعي”

لا تتردد بمراسلتنا